مقدمة: العالم كساحة معركة دائمة
عندما نقلب صفحات كتب التاريخ، نجد فصولاً محددة بوضوح: الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والحرب العالمية الثانية (1939-1945). لقد تعلمنا أن هذه الأخيرة انتهت بهزيمة النازية وتوقيع الاستسلام الياباني، مما أفسح المجال لعصر من السلام تحت حراسة مؤسسات مثل منظمة الأمم المتحدة التي أنشئت حديثاً. ومع ذلك، إذا نظرنا بصدق إلى الستين سنة الماضية، يبرز سؤال غير مريح: هل انتهت الحرب العالمية حقاً في أي وقت مضى؟
لا أعني هنا حرباً معلنة بأطراف محددة بوضوح وجبهات قتال ثابتة، بل أقصد استمرارية حربية اتخذت أشكالاً متعددة. فبينما كان الأنجلوسكسونيون – بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة – يوسعون شبكة قواعدهم العسكرية في جميع أنحاء الكوكب، تتابعت التدخلات والانقلابات ونهب الموارد والإبادة الجماعية والصراع النفسي الذي نخوضه اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي وفي الساحة السياسية الدولية. إن تلويث الكوكب هو حرب أخرى صامتة لكنها قاتلة، وتجد التنمية الإنسانية نفسها مُعاقة باستمرار بسبب نخب سياسية عالقة في مصالح لا تمت بصلة للأخلاق الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
لا يسعى هذا المقال إلى تبسيط الواقع، بل إلى مواجهته بالحقائق. سنحلل ما إذا كانت فرضية أننا نعيش حرباً عالمية ثالثة مجزأة، أو حرباً عالمية ثانية لم تنتهِ أبداً، لها أساس من الصحة في الواقع. ولتحقيق ذلك، سنراجع تاريخ العقود الستة الماضية، مسلطين الضوء على دور القوى الغربية – خاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلف الناتو وإسرائيل – في زعزعة استقرار أمريكا وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وسنضمّن أخباراً وبيانات ملموسة حول عمليات الإبادة الجماعية وحروب العدوان ودعم الديكتاتوريات وجرائم ضد الإنسانية والإفلات المتزايد من العقاب الذي يكتنف النظام بأكمله.
1. الإطار النظري: الحرب العالمية الثالثة أم الحرب الدائمة؟
فكرة أن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ أبداً ليست جديدة. فقد صاغ الكاتب الأمريكي غور فيدال مصطلح «جمهورية الأمن القومي» لوصف كيف بنت الولايات المتحدة إمبراطورية تقوم على حالة حرب دائمة. وفقاً لهذه الرؤية، لم تكن الحرب الباردة سوى استمرار للصراع على الهيمنة العالمية، ولكن بوسائل أخرى.
من ناحية أخرى، يرى بعض المحللين المعاصرين أننا منغمسون بالفعل في حرب عالمية ثالثة على أشلاء، مجزأة وغير متماثلة. وقد استخدم البابا فرنسيس هذا التعبير في مناسبات عديدة لإدانة الصراعات المنسية التي تنزف العالم. ومع ذلك، فإن مصطلح «الحرب العالمية» يستدعي مواجهة بين قوى عظمى مع تعبئة شاملة للسكان. هل هذا ما نراه اليوم؟ ليس بالضبط. ما نلاحظه هو هيكل هيمنة عالمي تُحافظ عليه القوة العسكرية والاقتصادية والنفسية، حيث تُشن الحروب في أطراف النظام، لكن القرارات تُتخذ في واشنطن أو لندن أو بروكسل.
2. الآلة الإمبراطورية: القواعد العسكرية والسيطرة على الكوكب
هناك حقيقة موضوعية تدعم أطروحة الحرب المستمرة: التوسع المتواصل للقواعد العسكرية الأمريكية وقواعد الناتو. بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، بدلاً من «أرباح السلام»، ما شهدناه كان توسعاً لحلف الناتو باتجاه الشرق وإنشاء قواعد جديدة في نقاط استراتيجية.
اليوم، تحتفظ الولايات المتحدة بحوالي 750 قاعدة عسكرية في أكثر من 80 دولة. كما تحتفظ المملكة المتحدة وفرنسا وقوى أوروبية أخرى بانتشار كبير. هذه الشبكة ليست دفاعية: إنها شبكة لعرض القوة عالمياً خدمت في التدخل في العشرات من الصراعات، وضمان السيطرة على طرق التجارة البحرية وحماية مصالح الشركات عبر الوطنية. من فيتنام إلى العراق، مروراً بالوجود الحالي في سوريا وأفريقيا، كانت هذه القواعد أعشاشاً انطلقت منها الحرب نحو شعوب الجنوب العالمي.
3. نهب الأمم: نمط تاريخي
اتبع أسلوب عمل القوى الأنجلوسكسونية نمطاً يمكن التعرف عليه: زعزعة الاستقرار، التدخل العسكري، فرض حكومات دمية، ونهب الموارد. الحالات لا تُحصى، ولكننا سنذكر بعضاً منها كنماذج بارزة.
أمريكا اللاتينية: الفناء الخلفي
في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، دعمت الولايات المتحدة أو رعت بشكل مباشر انقلابات في أمريكا اللاتينية فرضت ديكتاتوريات دموية. شهدت البرازيل (1964) وتشيلي (1973) والأرجنتين (1976) وأوروغواي كيف أُطيح بديمقراطياتها بمباركة واشنطن، في إطار «عقيدة الأمن القومي». دربت مدرسة الأمريكتين آلاف العسكريين من أمريكا اللاتينية على تقنيات مكافحة التمرد شملت التعذيب والاختفاء القسري والقتل الجماعي. كان الهدف واضحاً: ضمان بقاء موارد وأسواق المنطقة تحت السيطرة الغربية، على حساب مئات الآلاف من القتلى.
آسيا: التنين الذي يجب احتواؤه
كانت حرب فيتنام ربما أكثر حلقات هذه الحرب المستمرة دموية. تدخلت الولايات المتحدة لمنع إعادة توحيد البلاد تحت حكومة شيوعية، تاركة ما بين 2 و 3 ملايين قتيل فيتنامي، بالإضافة إلى التأثير المدمر لعامل البرتقال («العامل البرتقالي»)، وهو مبيد أعشاب تسبب في تشوهات وأمراض لأجيال. لكنها لم تكن الحالة الوحيدة. في إندونيسيا، عام 1965، دعمت وكالة المخابرات المركزية مذبحة مئات الآلاف من الشيوعيين المزعومين، ممهدة الطريق لديكتاتورية سوهارتو، وهو نظام موال للغرب نهب ثروات البلاد لعقود.
أفريقيا: نهب قارة
تم نهب أفريقيا بشكل منهجي. مثال بارز هو جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي بلد يمتلك ثروات معدنية لا تُحصى (كولتان، كوبالت، ماس). كان اغتيال باتريس لومومبا في عام 1961، بمشاركة بلجيكا ووكالة المخابرات المركزية، إشارة البدء لعقود من الديكتاتورية (موبوتو) وحروب كلفت ملايين الأرواح. في الآونة الأخيرة، حافظت القوى الغربية على علاقات غامضة مع حكومات منطقة البحيرات الكبرى بينما تستغل الشركات متعددة الجنسيات معادنها، التي لا غنى عنها لتصنيع الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر في البلدان الغنية. كانت ليبيا، في عام 2011، مثالاً آخر على تدخل الناتو الذي، تحت ذريعة «حماية المدنيين»، دمر الدولة وأغرق البلاد في الفوضى وأشعل أزمة هجرة وأمنية لا تزال قائمة.
4. الشرق الأوسط: مختبر الفوضى والإفلات من العقاب
إذا كانت هناك منطقة تجسد استمرارية الحرب العالمية، فهي الشرق الأوسط. الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو مركز الجرح الذي لا يتوقف عن النزيف.
فلسطين: الإبادة الجماعية على الهواء مباشرة
منذ عام 1948، شكل قيام دولة إسرائيل والنكبة الفلسطينية – طرد مئات الآلاف من الأشخاص من منازلهم – بداية صراع استعماري لا يزال قائماً حتى اليوم. لكن الستين سنة الماضية شهدت تصعيداً مستمراً. حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية وهضبة الجولان وسيناء؛ حرب 1973؛ اجتياح لبنان عام 1982 (مع مجزرة صبرا وشاتيلا)؛ الانتفاضتين؛ والهجمات المتعاقبة على غزة منذ عام 2008.
لكن ما حدث بعد السابع من أكتوبر 2023 كسر كل الحواجز. تسبب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في كارثة إنسانية غير مسبوقة. وفقاً لبيانات وردت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع نهاية عام 2025 تم تسجيل أكثر من 65,000 قتيل في القطاع، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، على الرغم من أن تقديرات أخرى ترفع العدد إلى 136,000 منذ بداية الحرب الاستعمارية في عام 1947، مما يعني أن ما يقرب من نصف الفلسطينيين الذين قتلوا في 80 عاماً من الصراع ماتوا في العامين الماضيين فقط.
وثقت منظمات دولية وخبراء في حقوق الإنسان استخدام التجويع كسلاح حرب. حذرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) من أن واحداً من كل ثلاثة أطفال في شمال غزة كان يعاني من سوء تغذية حاد. تم توثيق هجمات متعمدة ضد مدنيين كانوا ينتظرون في «طوابير الجوع» للحصول على الطعام، وكذلك التدمير الممنهج للمستشفيات والمدارس والجامعات. قدمت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، تقريراً في مارس 2024 قالت فيه دون مواربة إن «ما يحدث في غزة يشكل إبادة جماعية مستمرة».
أصدرت محكمة العدل الدولية حكماً تاريخياً يأمر إسرائيل باتخاذ تدابير لمنع الإبادة الجماعية والسماح بدخول المساعدات الإنسانية. طلب المحكمة الجنائية الدولية إصدار أوامر اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ومع ذلك، فإن الإبادة الجماعية لا تزال مستمرة.
كيف يكون هذا ممكناً؟ الجواب يكمن في الرعاية غير المشروطة من الولايات المتحدة وتواطؤ أوروبا. استخدمت واشنطن حق النقض (الفيتو) في 46 مرة ضد قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كانت تهدف إلى إدانة إسرائيل أو المطالبة بوقف إطلاق النار. بالإضافة إلى ذلك، تقدم لإسرائيل 3.8 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية، أضيف إليها أكثر من 38 ملياراً إضافية منذ أكتوبر 2023. ولم يكتفِ بذلك، بل فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قضاة ومدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لجرأتهم على التحقيق مع حلفائها.
أوروبا، بدورها، شريكة أيضاً. على سبيل المثال، الحكومة الإسبانية، على الرغم من الإيماءات الرمزية، استوردت معدات عسكرية من إسرائيل بأكثر من 1.044 مليار يورو منذ أكتوبر 2023. ألمانيا هي واحدة من الموردين الرئيسيين للأسلحة لإسرائيل. حافظت المملكة المتحدة على دعمها وقمعت المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين. أثبت «المجتمع الدولي» أن القانون الدولي هو ثوب يُلبس ويُخلع حسبما تتناسب المصالح الجيوسياسية.
التطهير العرقي في الضفة الغربية والتوسع الاستيطاني
بينما تركز الأضواء على غزة، لا يتوقف عنف المستوطنين والجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية. منذ أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 500 فلسطيني في المنطقة، من بينهم أكثر من مئة طفل. يتم تقنين المستوطنات، وهدم المنازل الفلسطينية، وتفتيت الأرض لدرجة جعل قيام أي دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً. إنه ضم فعلي، وتطهير عرقي بطيء الحركة.
علاوة على ذلك، فإن مشروع «إسرائيل الكبرى» لا يُخفى. فالتوغلات في سوريا ولبنان (مع خمس مناطق محتلة في هذا البلد الأخير) تكشف عن توسعية تبررها حجج مسيانية وتسعى إلى تصعيد إقليمي دائم.
5. دور وسائل الإعلام والصراع النفسي: أسلمة الخطاب
واحدة من أكثر جبهات هذه الحرب الدائمة نشاطاً هي الجبهة النفسية والإعلامية. على شبكات التواصل الاجتماعي، تدور معركة مستمرة حول السردية، مما يخلق صراعاً حول من هو الأسمى أخلاقياً، ويعزز تجريد «الآخر» من إنسانيته.
تتحدث مقالة حديثة في صحيفة La Crónica de Hoy المكسيكية بصراحة عن «أسلمة السياسة العالمية». يجادل الكاتب بأننا نشهد تراجعاً حضارياً حيث تعود ممارسات خاصة بالنازية التاريخية: التجريد المنهجي من الإنسانية، والقومية الاستبعادية، والتفوق العرقي، وتآكل الديمقراطية. يتجلى هذا في معاملة الإبادة الجماعية في غزة، حيث تُهدر حياة الفلسطينيين بشكل منهجي مقارنة بحياة الإسرائيليين. لقد أظهر الغرب «هزيمة أخلاقية» بعدم قدرته على الدفاع عن قيم حقوق الإنسان التي يعلنها.
مثال مثير للشفقة على هذه الهزيمة هو قرار المتحف البريطاني بحذف كلمة «فلسطين» من قاعاته ولوحاته في أقسام عن مصر القديمة والفينيقيين، بعد ضغوط من جماعات مؤيدة للصهيونية. هذا «المحو الثقافي» هو شكل من أشكال التحريفية التاريخية التي تهدف إلى إنكار وجود وهوية الشعب الفلسطيني، حتى في العصور القديمة.
في الوقت نفسه، تُستخدم ذكرى المحرقة (الهولوكوست) بشكل أداتي. يُستخدم الرعب النازي ضد اليهود كدرع لحماية إسرائيل من أي نقد، مما يساوي تلقائياً بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. هذا «التفعيل الانتقائي للذاكرة» يشل النقاش ويسمح بارتكاب الفظائع باسم مكافحة معاداة السامية.
6. الحرب على المستقبل: الإبادة الجماعية للبنية التحتية والتلوث
الحرب لا تقتل الناس فقط، بل تدمر أيضاً شروط إمكانية الحياة في المستقبل. مفهوم «الإبادة الجماعية للبنية التحتية» هو مفتاح لفهم ما يحدث في غزة وفي أماكن أخرى. لا يتعلق الأمر فقط بالقتل، بل بتدمير البنى التحتية الحيوية: أنظمة المياه، شبكات الكهرباء، المستشفيات، المدارس، الجامعات. إنه تدمير للحاضر، ولكنه أيضاً إبادة لمستقبل أي مجموعة سكانية.
هذه الحرب على المستقبل لها بُعد آخر عالمي: تلويث الكوكب. القوى العظمى، بنموذجها التنموي القائم على الاستهلاك المفرط للموارد وإنتاج النفايات، تشن حرباً صامتة ضد الإنسانية وضد جميع الأنواع. تغير المناخ، فقدان التنوع البيولوجي، تلوث المحيطات هي ظواهر تؤثر بشكل غير متناسب على البلدان الأكثر فقراً، تلك التي ساهمت بأقل قدر في المشكلة. إنه شكل آخر من أشكال العنف الهيكلي، حرب طبقية على نطاق كوكبي حيث ترهن النخب الاقتصادية في الشمال العالمي مستقبل الجنوب.
وفي الوقت نفسه، فإن التطور التكنولوجي، الذي يمكن أن يكون أداة لعالم أفضل، مختطف من قبل صناعة الأسلحة والمراقبة الجماعية. الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تحريرنا، يُستخدم لإتقان الطائرات المسيرة القاتلة (كما في مشروع «مافن»، المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي). التطور الإنساني والرفاه الاجتماعي يتم تأجيلهما باستمرار لأن الميزانيات تُخصص للحرب. السياسيون، المحاصرون في مصالح خاصة والممولون من قبل المجمع الصناعي العسكري، يظهرون أنهم ليسوا على مستوى التحديات الأخلاقية للقرن الحادي والعشرين.
7. المقاومة والأمل: أساطيل الحرية والتعبئة العالمية
في مواجهة آلة الموت والنسيان هذه، تبرز المقاومة. إن أساطيل الحرية الإنسانية التي تحاول كسر الحصار عن غزة هي مثال على ما يمكن تسميته «الانشقاق النشط». من مافي مرمرة في عام 2010، حيث قُتل عشرة ناشطين على يد كوماندوز إسرائيلي في المياه الدولية، إلى أسطول الحرية العالمي «صمود» في عام 2025، هذه المبادرات هي أعمال عصيان مدني تسعى إلى تسليط الضوء على التواطؤ الدولي وإيصال المساعدات المادية لشعب محاصر. إنها ليست مجرد أعمال إنسانية بسيطة؛ إنها تدخلات سياسية تضع الشرعية الدولية ونفاق الحكومات موضع تساؤل.
هناك أيضاً أصوات سياسية ترتفع من الجنوب العالمي. في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025، كان قادة أمريكا اللاتينية مثل لولا دا سيلفا وغابرييل بوريك وغوستافو بيترو حازمين. بيترو، في خطوة غير مسبوقة، لم يتحدث في الأمم المتحدة فحسب، بل خرج إلى شوارع نيويورك ليتظاهر إلى جانب روجر ووترز، داعياً الجنود الأمريكيين إلى عدم رفع أسلحتهم ضد شعوب العالم. ونتيجة لذلك، سحبت له الحكومة الأمريكية تأشيرتها.
الآلاف من الناس في شوارع جميع أنحاء العالم، طلاب في جامعات الولايات المتحدة وأوروبا يواجهون القمع الشرطي، صحفيون مستقلون، ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي… كلهم دليل على أن الضمير الإنساني لم يُخدر بالكامل بعد. النضال من أجل العدالة، من أجل فلسطين، من أجل الكوكب، مستمر.
الخلاصة: وهل انتهت الحرب العالمية إذن؟
لنعد إلى السؤال الأولي. إذا كنا نعني بالحرب العالمية صراعاً بجبهات محددة وجيوش نظامية تتواجه علناً، فربما لا نكون فيها (رغم أن الحرب في أوكرانيا والتوترات في المحيط الهادئ تقربنا بشكل خطير). ولكن إذا كنا نعني بالحرب العالمية نظاماً عالمياً للهيمنة والاستغلال والعنف تحافظ عليه القوى الغربية (الأنجلوسكسونية والأوروبية) لتأمين هيمنتها الاقتصادية والجيوسياسية، فإن الإجابة واضحة:
لا، الحرب العالمية لم تنتهِ أبداً.
ما بدأ في عام 1939 (أو حتى قبل ذلك، مع الاستعمار) تحول. أعقبت الحرب العالمية الثانية الحرب الباردة، ثم أعقبها الفوضى العالمية الحالية أحادية القطب (أو في طور الانتقال نحو التعددية القطبية). لكن في الجوهر، الآلة الحربية لم تتوقف قط. تغير الفاعلون والأساليب، لكن الهدف ظل كما هو: الحفاظ على نظام يسمح لعدد قليل من الدول والنخب بتجميع الثروة والسلطة على حساب حياة وثقافة ومستقبل الأغلبية.
الدليل في الحقائق:
- القواعد العسكرية لم تتوقف عن التكاثر.
- التدخلات والانقلابات وحروب العدوان لم تتوقف.
- نهب موارد آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية هو ثابت تاريخي.
- الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، بدعم صريح من الولايات المتحدة وتواطؤ أوروبا، هي أقسى دليل على أن القواعد الدولية هي حبر على ورق.
- الصراع النفسي على شبكات التواصل، والمحو الثقافي، والأداتية في استخدام الذاكرة التاريخية هي أسلحة حرب.
- تلويث الكوكب وتدمير المستقبل هما شكلان من أشكال العنف الهيكلي.
طالما أن السياسيين لا يزالون غير قادرين على الارتقاء إلى مستوى الأخلاق الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، وطالما أن القانون الدولي يُطبق بشكل انتقائي، وطالما أن حياة طفل فلسطيني تساوي أقل من حياة طفل إسرائيلي أو أوروبي، فإن الحرب العالمية ستستمر.
المسؤولية الآن تقع على عاتقنا. في ألا نكون غير مبالين. في ألا نقبل الروايات الرسمية. في أن نتحرك ونبني، من الأسفل، هياكل السلام والعدالة التي تحرمنا منها حكوماتنا. لأنه كما كتب إيلي فيزيل: «عكس الحب ليس الكراهية، إنه اللامبالاة». واللامبالاة إزاء الإبادة الجماعية، إزاء الحرب المستمرة، تجعلنا متواطئين.
الحرب العالمية لم تنتهِ. لكن النضال لإنهائها، لم ينتهِ هو أيضاً.
تسلسل زمني للفظائع (1965-2026): عينة غير شاملة
- 1965-1966: إندونيسيا. مذبحة مئات الآلاف من الشيوعيين والمشتبه بهم، بدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. نظام سوهارتو ينصب نفسه وينهب البلاد لمدة 30 عاماً.
- 1965-1973: فيتنام. حرب عدوانية من قبل الولايات المتحدة. ما بين 2 و 3 ملايين فيتنامي قتيل. استخدام واسع النطاق للنابالم والعامل البرتقالي، مع آثار صحية وبيئية لا تزال قائمة.
- 1967: حرب الأيام الستة. إسرائيل تحتل الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية وسيناء والجولان. بداية الاحتلال الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.
- 1973: تشيلي. انقلاب أوغستو بينوشيه ضد سلفادور أليندي، بتمويل ودعم من الولايات المتحدة. بداية ديكتاتورية خلفت آلاف القتلى والمختفين.
- 1975-1999: تيمور الشرقية. غزو واحتلال من قبل إندونيسيا (بدعم من الولايات المتحدة وأستراليا). أكثر من 200,000 تيموري قتيل (ما يقرب من ثلث السكان).
- 1975-1990: لبنان. حرب أهلية مع تدخلات أجنبية متعددة. الاجتياح الإسرائيلي لبنان عام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا (آلاف الفلسطينيين قتلوا على يد ميليشيات لبنانية مسيحية تحت إشراف إسرائيلي).
- 1976-1983: الأرجنتين. ديكتاتورية عسكرية (بدعم من الولايات المتحدة) خلفت 30,000 مختفٍ.
- 1980-1992: غواتيمالا. إبادة جماعية للسكان المايا خلال حكومتي لوكاس غارسيا وريوس مونت. أكثر من 200,000 قتيل أو مختفٍ. الولايات المتحدة دعمت الجيش الغواتيمالي وغطت على المجازر.
- 1991: العراق. حرب الخليج الأولى. الولايات المتحدة وحلفاؤها يهاجمون العراق بعد غزوه للكويت. الحصار والعقوبات اللاحقة تسببت في مئات الآلاف من القتلى المدنيين العراقيين، خاصة الأطفال.
- 1991-2002: سيراليون. حرب أهلية تغذيها تجارة الماس الدموي، بمشاركة شركات متعددة الجنسيات.
- 1992-1995: البوسنة. حرب وإبادة جماعية للبوسنيين المسلمين على يد الصرب البوسنيين. المجتمع الدولي (الأمم المتحدة) كان عاجزاً عن منع مذبحة سربرنيتسا (أكثر من 8,000 رجل وطفل قتلوا).
- 1994: رواندا. إبادة جماعية للتوتسي على يد الهوتو. المجتمع الدولي غض الطرف. ما يقرب من مليون قتيل في 100 يوم.
- 1999: يوغوسلافيا. حرب كوسوفو. قصف حلف الناتو (بقيادة الولايات المتحدة) لصربيا، دون تفويض من الأمم المتحدة.
- 2001-2021: أفغانستان. غزو الولايات المتحدة وحلفائها بعد 11 سبتمبر. 20 عاماً من الحرب خلفت عشرات الآلاف من القتلى الأفغان، وتدمير البلاد، ونهاية فوضوية بعودة طالبان.
- 2003-2011: العراق. غزو واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بذريعة كاذبة هي أسلحة الدمار الشامل. تدمير الدولة، حرب طائفية، أكثر من مليون قتيل عراقي، وظهور داعش.
- 2006, 2008-2009, 2012, 2014, 2021, 2023-2026: غزة. هجمات عسكرية إسرائيلية متعاقبة على القطاع. هجوم 2023-2026 هو الأكثر دموية وتدميراً، وُصف بالإبادة الجماعية من قبل خبراء ومنظمات دولية.
- 2011: ليبيا. تدخل حلف الناتو للإطاحة بالقذافي. تدمير الدولة، فوضى، حرب أهلية، انتشار الميليشيات والاتجار بالبشر.
- 2015-2025: اليمن. حرب أهلية مع تدخل تحالف تقوده السعودية والإمارات، مدعوم عسكرياً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع مئات الآلاف من القتلى ومجاعة واسعة النطاق.
- 2022-2026: أوكرانيا. غزو روسي واسع النطاق. حرب تقليدية في أوروبا مع عشرات الآلاف من القتلى ودمار هائل. ساحة مواجهة بين روسيا والناتو.
- 2023-2026: غزة والضفة الغربية. إبادة جماعية مستمرة. تدمير ممنهج، تجويع متعمد، قتل أكثر من 65,000 فلسطيني (رقم متحفظ)، تهجير قسري لجميع سكان غزة تقريباً. دعم عسكري ودبلوماسي كامل من الولايات المتحدة وتواطؤ أوروبي.
هذه القائمة هي مجرد عينة. كل نقطة تستحق مقالاً بحد ذاتها. لكنها مجتمعة، ترسم خريطة حرب لم تنتهِ حقاً.

