يتطلب تحسين رفاهية وصحة واقتصاد المواطنين نهجاً متكاملاً وسياسات مستدامة. فيما يلي استراتيجيات رئيسية مبنية على الأدلة الدولية والتجارب الناجحة:
1. ركائز تحسين الرفاهية الذاتية ونوعية الحياة
تحسين الرفاهية ونوعية الحياة يستند إلى عدة ركائز أساسية. أولاً، تقليل التفاوتات عبر سياسات إعادة التوزيع مثل الضرائب التصاعدية والأجور اللائقة، وضمان الوصول الشامل للخدمات الأساسية ومكافحة فقر الأطفال. ثانياً، تعزيز رأس المال الاجتماعي من خلال الاستثمار في المساحات العامة وتعزيز المشاركة المواطنة والتماسك المجتمعي والثقة في المؤسسات. ثالثاً، العمل على تحقيق التوازن بين الحياة والعمل عبر تعزيز المرونة الوظيفية وإجازات الأبوة المتساوية وتقديم الدعم لمقدمي الرعاية. وأخيراً، الاهتمام بالتعليم العاطفي والعقلي عبر دمج المهارات الاجتماعية-العاطفية في المناهج المدرسية وتنفيذ برامج وقائية لصحة العقل.
2. مفاتيح صحة أفضل للسكان
لتحقيق صحة أفضل للسكان، يجب العمل على عدة محاور. المحور الأول هو بناء نظام صحي شامل ووقائي، يركز على تعزيز الرعاية الصحية الأولية ونشر العادات الصحية وتطوير آليات الكشف المبكر عن الأمراض. المحور الثاني هو خلق بيئات صحية عبر سياسات تخطيط حضري ذكية تزيد من المساحات الخضراء وتشجع النقل النشط، إلى جانب تنظيم تسويق الأطعمة المصنعة ومكافحة التلوث. المحور الثالث هو جعل خدمات الصحة العقلية في متناول الجميع، عبر دمج الأخصائيين النفسيين في مراكز الرعاية الأولية وإطلاق حملات توعية لمكافحة الوصمة الاجتماعية. المحور الرابع هو تشجيع الشيخوخة النشطة من خلال برامج لتعزيز الحركة والوقاية من الوحدة وإدارة فعالة للأمراض المزمنة.
3. استراتيجيات لاقتصاد أقوى وأكثر شمولاً
لبناء اقتصاد أقوى وأكثر شمولاً، لا بد من اتباع استراتيجيات متعددة. على صعيد الإنتاجية والتنويع، يجب زيادة الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار لبلوغ هدف 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وتسريع وتيرة التحول البيئي نحو الطاقات المتجددة والاقتصاد الدائري، وضمان شمول الجميع في عملية الرقمنة. في مجال سوق العمل، ينبغي تهيئة سوق عمل ديناميكي وعادل من خلال ربط التدريب المهني باحتياجات القطاعات الاستراتيجية، وتنفيذ سياسات نشطة للتوظيف، ودعم التفاوض الجماعي. من ناحية الاستدامة المالية، تتطلب إصلاحاً ضريبياً يزيد من عدالة النظام الضريبي دون إثقال كاهل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع تكثيف الجهود لمكافحة الاحتيال والتهرب الضريبي. أما في قطاع الإسكان، فلا بد من سياسات تضمن إسكاناً ميسور التكلفة، عبر حوافز لتطوير قطاع الإيجار الاجتماعي، وتنظيم الأسعار في المناطق ذات الضغط السعوي، ودعم نموذج التعاونيات السكنية.
4. آليات الحوكمة للتغيير
لضمان نجاح هذه السياسات، يجب تبني آليات حوكمة فعّالة. وهذا يشمل التقييم المستمر للسياسات العامة باستخدام بيانات دقيقة ومؤشرات قياس تركز على الرفاهية تتجاوز مؤشر الناتج المحلي الإجمالي التقليدي. كما يتطلب تعزيز التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وبناء شراكات مع شركات تتبنى المسؤولية الاجتماعية ودعم مؤسسات القطاع الثالث. إلى ذلك، لا بد من تعزيز مبادئ الشفافية ومساءلة المسؤولين، عبر تطبيق آليات مثل الميزانيات التشاركية وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات. وأخيراً، يجب أن تراعي جميع السياسات منظوراً طويل الأمد يحقق العدالة بين الأجيال والمساواة بين الجنسين، ويقيم الأثر على الشباب وكبار السن على حد سواء.
5. أمثلة دولية ملهمة
يمكن الاستفادة من نماذج دولية أثبتت نجاحاً في مجالات مختلفة. ففي الدول الإسكندنافية، نجح نموذج الجمع بين ضرائب عالية وجودة عالية في الخدمات العامة ونظام «المرونة والأمن» الوظيفي. وتبنت نيوزيلندا نهج «ميزانيات الرفاهية» التي تعطي أولوية قصوى لمؤشرات نوعية الحياة في تخطيط السياسات. وفي البرتغال، قدم نهج إلغاء تجريم تعاطي المخدرات مع التركيز على الصحة العامة نتائج إيجابية. أما كوريا الجنوبية، فقدمت دليلاً على أهمية الدعم الحكومي الضخم والاستراتيجي للبحث والتطوير والابتكار وبناء بنية تحتية رقمية شاملة.
الخلاصة
في الختام، فإن التحسين الشامل لرفاهية وصحة واقتصاد المواطنين ليس عملية سريعة، بل هو مسار طويل الأمد يعتمد بالدرجة الأولى على بناء إجماع اجتماعي واسع وتطوير مؤسسات دولة مرنة وقادرة على التكيف. لا يوجد حل سحري أو سياسة منفردة كافية، بل المفتاح هو بناء حزمة متكاملة ومتماسكة من السياسات التي تدعم وتعزز بعضها البعض. يجب أن تضع هذه السياسات مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية والأدلة العلمية فوق أي اعتبارات أيديولوجية ضيقة. في النهاية، المعيار الحقيقي للنجاح لا يقاس بأرقام ومؤشرات اقتصادية مجردة فقط، بل يقاس أولاً وأخيراً بمدى تمتع المواطنين بحياة كريمة وصحية، ومليئة بالفرص التي تمكنهم من تحقيق طموحاتهم.

